أم هاني الدلاني تكتب : العولمة… تفكيك مفهوم غامض وواقع معقد


في عصر “عولمة كل شيء”، بيئة متغيرة باستمرار، اقتصادات وأنظمة تمويل وإنتاج مطردة التغيير، ومنافسة تأخذ أشكال غير مألوفة، تُغيّر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والذكاء الاصطناعي وتيرة التطور على جميع المستويات. يرى مُقدّم برنامج “Capital” على القناة الفرنسية TF1 مثلا أن العالم يتغير بسرعة، فلم يعد فقط القوي يهزم الضعيف، بل السريع يهزم البطيء.

العالم الافتراضي ينتصر، والدول القومية تشهد إعادة هيكلة عميقة. في هذا العصر، لا تُستثنى المجالات الترابية، ويصبح السكان سلعة جديدة في سوق البيانات الضخمة (Big Data) التي أصبحت سلاحًا اقتصاديًا وجيواستراتيجيًا دقيقا وثمينا جدا.

تظهر “نماذج تفسيرية جديدة للتفاعلات بين المجال والاقتصاد” (كاريير، ١٩٩٨، ص ٧٢٩). تشهد المنظمات تشكلات مختلفة وتُعاد هيكلة أنظمة الإنتاج. لم تعد الشركات الكبيرة والمركزة هي الوحيدة التي تُوجّه عملية الإنتاج والابتكار. ويتم وضع توجهات استراتيجية جديدة فيما يتعلق بالتخطيط الإقليمي وسياسات التنمية.

باختصار، نشهد حالة من الاضطراب تُميّز الأنشطة الاقتصادية والتنظيم الاجتماعي والمجالي في جميع البلدان. وبالتالي، هناك ثلاثة مستويات لإعادة الهيكلة المؤسساتية، الإنتاجية والترابية.

مؤسساتيا، أصبحت الدولة الامة مسائلة ككيان يتجاوز حجمه المشاكل المحلية الصغرى ويعجز أمام الاكراهات الكبرى، اذ يطلب من اسبانيا أن تكف عن التدخل المفرط فيما هو إقليمي محلي وبالمقابل تتدخل اللجنة الأوربية في حل مشكل مديونية اليونان متجاوزة هذه الدولة المركزية. هناك اذن تسطيح للدول من الأعلى بالتكتلات الكبرى ومن الأسفل من خلال الجهوية واللامركزية.


انتاجيا، يتم الانتقال تدريجيا من نمط الإنتاج نمط الإنتاج المعروف بإنتاج سلع نمطية في إطار “الفوردية التيلورية” إلى المرونة في الإنتاج والتشغيل والتسويق. اذ أصبح المنتجون امام اسلاك انتاج متغيرة ومتجددة باستمرار لخدمة الماكنة الرأسمالية والاستهلاك المطرد عوض الاكتفاء بالاستجابة للحاجيات الأساسية والمعقولة أولا.

مجاليا وترابيا، ينتقل مركز الثقل من المركزية الى الجهوية والإقليمية كسياقات تتماشى مع المرونة المطلوبة مؤسساتيا وانتاجيا استجابة لمبدئ القرب الجغرافي والرمزي من دائرة المستهلك المباشر الذي أصبح المحرك الأساسي.

في قلب هذه التغييرات، تأتي محاولتنا هنا لتحليل “العولمة… كشف غموض مفهوم مركب وواقع معقد”. تطرح العولمة في الواقع إشكاليات عديدة، أبرزها ما يتعلق بتعريفها والمفاهيم التي تنطوي عليها، وما يتعلق بنطاق تأثيرها وقدرتها على اختراق ثغرات الجغرافيا الاقتصادية والسياسية. وتتعلق هذه الإشكاليات بهيمنتها على وسائل الاتصال والمعلومات، مما أدى إلى توحيد رسمي للأذواق والتفضيلات وأنماط الحياة. وأخيرًا، ثمة إشكاليات تتعلق بإعادة تشكيل المؤسسات والإقليمية، مما يُقوّض الدول وأنظمة الإنتاج المُحددة داخل الدول ومجموعات الدول.

كيف يُمكننا إذًا تعريف العولمة؟ ما الذي يجب التركيز عليه لجعل هذا التعريف مفهومًا؟ هل يتعلق الأمر بالتكوين التدريجي لسوق عالمية تضمن حرية حركة رأس المال والسلع وتُعيق حركة الأفراد؟ هل يتعلق الأمر بالطابع العالمي للتقنيات التنافسية؟ هل يتعلق الأمر بشبكات التمويل العالمية التي تستحوذ على المدخرات وتضمن توزيعها على نطاق عالمي وفي شكل معاملات تفلت من كل سيطرة وضرائب؟ هل يتعلق الأمر بهشاشة أنظمة الإنتاج المعولمة؟ هل يتعلق الأمر بإعادة هيكلة الدول القومية ورسالتها الاقتصادية والاجتماعية؟ هل يتعلق الأمر بظهور المجتمع المدني الدولي الذي يتجاوز سيادة الدول، بل ويميل أحيانًا إلى استبدالها؟ هل يتعلق الأمر بظهور التكتلات الاقتصادية الإقليمية وتعميم احتكار القلة؟ هل يتعلق الأمر بالانقسامات الاجتماعية و”صراع الحضارات”؟ ما هي إذًا أهم المناهج المفاهيمية والخصوصيات المتعلقة بالتدويل؟ وما هو تأثيره على نوعية ومجالية الرأسمالية المعاصرة؟

أسئلة ضمن أخرى أحاول مقاربتها من خلال اصدار نشر لي مؤخرا )ابريل 2025(عند دار النشر مقاربات. تعمدت ان يكون حجم المنشور كتيب جيب (Livre de poche) لأنه افتتاح لسلسلة عنوتها “Décryptage conceptuel” للمساهمة في تبديد التداخل والخلط المفاهيمي الذي ألاحظه في الآونة الأخيرة حيث تغلب “موضى” الالفاظ على التدقيق المصطلحي والمفاهيمي حتى عند جمهور يفترض أنه متخصص.

Leave a comment

Actualités